كوفيد 19: اللقاحات المعدلة وراثياً في كوبا

كوفيد 19: اللقاحات المعدلة وراثياً في كوبا

11 Feb 2021

الصورة من ريو توسيكال بترخيص من سيسي بي 2.0

القصة من: جيني لارسن

أعلنت الحكومة الكوبية مؤخرًا أن لقاحها Soberana II ضد فيروس كوفيد-19 سيدخل قريبًا تجارب المرحلة الثالثة، والتي تعتبر خطوة هامة تجعل البلاد تقترب من إنتاج أول لقاح في أمريكا اللاتينية ضد الفيروس. هذا وبعيدًا عن تحقيق النجاح بين عشية وضحاها، فإن قدرة كوبا على تطوير لقاح هي نتيجة استثمار استمر لعقود في مجال تطوير وصناعة المستحضرات الصيدلانية الحيوية، والتي كانت مدعومة من قبل منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) خلال مراحل تطويرها الأولى.

وتأمل كوبا في تلقيح جميع سكانها ضد فيروس كوفيد-19 بلقاح محلي هذا العام، حيث يوجد في البلاد أربعة لقاحات محتملة قيد التطوير، ومن المقرر أن يبدأ أكثرها تقدمًا - - Soberana II تجارب المرحلة الثالثة في مارس مع 150 ألف متطوع، وحال انتهائها من تلك التجارب السريرية سيكون اللقاح الكوبي أول لقاح يتم تطويره في أمريكا اللاتينية.

وفقًا لمعهد فينلاي للقاحات (IFV) ومقره هافانا، يمكن توفير 100 مليون جرعة في عام 2021 للاستخدام المحلي والتصدير. وقد وقعت كوبا صفقة لإجراء تجارب سريرية في إيران بالتعاون مع معهد باستير في البلاد، بينما أعربت كل من جامايكا وفيتنام وفنزويلا من ضمن عدة دول أخرى أيضًا عن اهتمامها بالحصول على اللقاح بمجرد اجتيازه لاختبارات السلامة والفعالية اللازمة.

مع تزايد الخلافات الدولية حول التوزيع العادل للقاح ووسط اتهامات بأن الدول الغنية تخزن الإمدادات، يمكن أن يوفر النجاح في توفير Soberana II شريان حياة محتملاً للدول النامية التي تسعى إلى تحصين سكانها ضد فيروس كوفيد-19.

قد يبدو من المفاجئ أن تتقدم جزيرة الكاريبي الصغيرة على العديد من البلدان المتقدمة في السباق لإيجاد لقاح فعال. ومع ذلك ، فإن عقودًا من الخبرة والاستثمار في قطاعي التكنولوجيا الإحيائية والأدوية في كوبا  والتي حظيت في مراحلها الأولى بدعم اليونيدو وغيرها من المنظمات الدولية، قد مكّنت الصناعة من توجيه الموارد بسرعة وكفاءة نحو تطوير لقاحات طارئة.

وفي السنوات التي أعقبت ثورة عام 1959، عملت كوبا على إنشاء نظام رعاية صحية رفيع المستوى يركز على الوقاية كأولوية، وكان نهج البلاد تجاه الصحة مسألة مبادئ اشتراكية واستجابة للحظر التجاري الأمريكي الذي منع منذ عام 1962 فصاعدًا جميع الواردات تقريبًا من الولايات المتحدة، بما في ذلك الأدوية والضروريات الأخرى.

وعليه، شرعت كوبا في الاستثمار في تدريب المزيد من الأطباء وأنشأت معاهد البحث العلمي لدعم تطوير صناعة الأدوية المحلية التي تلبي احتياجات نظام الرعاية الصحية لديها. على سبيل المثال، منذ منتصف الستينيات استثمرت الحكومة بشكل متزايد في البنية التحتية العلمية، بما في ذلك إنشاء المركز الوطني للبحث العلمي (CNIC) في عام 1965، والذي ساعد في تدريب العديد من العلماء والمهندسين خلال فترة الستينيات والسبعينيات.

وضمن حملة لإنتاج الأدوية الخاصة بها، طلبت الحكومة الكوبية في أواخر السبعينيات مساعدة منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) لبناء مصنع لزيادة إنتاج المنتجات الصيدلانية. استعان مشروع اليونيدو بخبرة الشركة الهندية Sarabhai Chemicals، لإنشاء أول مصنع كيميائي في كوبا لإنتاج المنتجات الصيدلانية العامة.

تم تصميم المصنع  Empresa Farmacéutica 8 de Marzo المجهز بالتكنولوجيا الهندية من قبل خبراء اليونيدو، وتم تمويله من مساهمات الهند وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مما يجعله مثالًا مبكرًا للتعاون الصناعي فيما بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي.

أدى إدخال التكنولوجيا التجريبية المتقدمة لإنتاج المركبات الصيدلانية والتدريب المقدم للعديد من الخبراء الكوبيين إلى تهيئة الظروف لتوسيع نطاق إنتاج الأدوية الجنيسة في السنوات التالية، مما ساعد على خلق وظائف جديدة قام بها الكيميائيين الكوبيين ذوي المهارات المتطورة والمهندسين، وكثير منهم من النساء.

اليوم، أصبحت Empresa Farmacéutica 8 de Marzo تابعة لمجموعة أعمال التكنولوجيا الحيوية والصناعات الدوائية المملوكة للدولة، والمعروفة باسم BioCubaFarma  وتضم المجموعة أكثر من 30 شركة ومعهدًا صناعيًا تنتج معًا أكثر من نصف الأدوية الأساسية في البلاد، بالإضافة إلى تصدير الأدوية إلى أكثر من 50 دولة.

كما أن تركيز كوبا المبكر على الصحة والبحوث الطبية والعلوم وضعها أيضًا في موقع جيد للاستفادة من التطورات في مجال الهندسة الوراثية التي أدت إلى النمو السريع في التكنولوجيا الحيوية في الثمانينيات. وقد ألقت الحكومة بثقلها وراء هذا القطاع، مدفوعة بالحاجة إلى التعامل مع تفشي الأمراض المتكررة، بما في ذلك انتشار التهاب السحايا ب في عام 1986. وافتتحت مركز الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية(CIGB) الذي استمر على مدى العقود القليلة الماضية وكان مسؤولاً عن تطوير مجموعة من الأدوية واللقاحات، ولا سيما في علاج السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والتهاب السحايا والتهاب الكبد.

بدأت اليونيدو المشاركة مرة أخرى في منتصف الثمانينيات بناءً على طلب من الحكومة الكوبية للمساعدة في تحقيق النسخة الخاصة بالبلد من لقاح التهاب الكبد B العام، ووظفت كوبا مواطنين مدربين تدريباً عالياً لتنفيذ هذا المشروع الذي ينطوي على تحديات تقنية وبمساعدة متخصصين من اليونيدو الذين ساعدوا في تدريب الموظفين على كيفية نقل اللقاح من مرحلة المختبر إلى الإنتاج على نطاق صناعي، فضلاً عن تقديم المشورة بشأن جوانب مراقبة الجودة والمعايير الدولية. وبعد استثمار كبير من الحكومة الكوبية، بدأ الإنتاج وبدأ استخدام اللقاح في أوائل التسعينيات ومن ثم تم وضعه لاحقًا في سجل منظمة الصحة العالمية للقاحات المعتمدة.

بعد نجاح هذا المشروع، دعت كوبا منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) في منتصف التسعينيات للمساعدة في زيادة إنتاج عقار مضاد للسرطان CIMAher) نيموتوزوماب)، وهو "جسم مضاد أحادي النسيلة" مصمم في مركز علم المناعة الجزيئية (CIM) لعلاج أورام الرأس والرقبة بالإضافة إلى السرطانات المتقدمة الأخرى. كان هذا المشروع أكثر تعقيدًا من الناحية الفنية من حيث الإنتاج مقارنة بالمشروع السابق ولكنه كان قادرًا على نشر الموظفين الذين تلقوا بالفعل تدريبًا على طرق الإنتاج أثناء مشروع لقاح التهاب الكبد B. و قد أثبت علاج السرطان الجديد نجاحه وتم إنتاجه على نطاق صناعي من قبل مركز علم المناعة الجزيئية ، وهو أمر كان ممكنًا بسبب الاستثمار القوي في قطاع التكنولوجيا الحيوية في التسعينيات على الرغم من التقلبات الإقتصادية الشديدة في الاقتصاد الكوبي المتعثر. هذا و لا يزال واحدًا من عدد من علاجات السرطان المنتجة محليًا والتي لا تزال قيد الاستخدام حتى اليوم.

إن المستوى العالي من التكامل في القطاع وسجل الإنجازات السابق في تطوير اللقاحات يعني أن القدرة التقنية كانت موجودة للسماح لكوبا بالتحرك بسرعة نحو حل كوفيد-19. و على سبيل المثال ، أصبح قرار متابعة نوع من لقاح المبني على الوحدة الفرعية للبروتين - الذي ينتج بروتينًا حيويًا لتحفيز الاستجابة المناعية - أسهل بسبب المعرفة المكتسبة باستخدام نفس النوع من منصة التكنولوجيا لتطوير لقاح التهاب السحايا الكوبي B واللقاح المؤتلف لقاح التهاب الكبد ب.

والآن ، وبعد مرور أكثر من 40 عامًا على إطلاق مشروعها الأول في الأدوية الكوبية ، تواصل اليونيدو تقديم الدعم لهذا القطاع. ففي عام 2020 ، تعاونت المنظمة مع الحكومة السلوفينية في مشروع سلوفيني-كوبي لتطوير نموذج أعمال يربط بين الابتكار في قطاعات الأدوية الحيوية والطبية والتكنولوجيات النانوية في محاولة لدفع تقنيات الثورة الصناعية الرابعة.

المشروع ، الذي يتم تنفيذه بالتعاون مع صندوق المؤسسة السلوفينية ، ويهدف إلى أن يكون بمثابة نموذج لمزيد من التعاون الإقليمي ، ويستخدم تبادل المعرفة ونقل المهارات التقنية لدعم الابتكار وتحسين الإطار التنظيمي للأدوية الحيوية لدفع القدرة التنافسية.

مما يُظهر نجاح كوبا في إنشاء صناعة صيدلانية محلية قابلة للحياة و ما يمكن تحقيقه من خلال الاستثمار المستهدف والإرادة السياسية. وبينما دعت منظمات مثل اليونيدو منذ فترة طويلة إلى زيادة تطوير الصناعة المحلية في البلدان النامية ، أظهرت الأزمة الحالية بوضوح أكثر من أي وقت مضى سبب أهمية البحث والتطوير المحلي و رفع القدرات الإنتاجية.

عندما تكون البلدان الفقيرة غير قادرة على تطوير وتصنيع اللقاحات والعلاجات الطبية الأخرى ، فإنها تخاطر بان تكون في مؤخرة قائمة الانتظار حيث تتنافس الدول الغنية مع بعضها البعض للحصول على نصيب الأسد. وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن وحدة المعلومات الاقتصادية ، لن تتمكن البلدان المتوسطة الدخل من تطعيم الجزء الأكبر من سكانها حتى أواخر عام 2022 أو أوائل عام 2023 ، بينما قد يستغرق التحصين الشامل في أفقر البلدان حتى عام 2024 ، هذا إن حدث بالفعل على الاطلاق.

نما سعي كوبا لبناء صناعة الأدوية الحيوية المتكاملة المدعومة من الدولة إلى حد ما بسبب حالات الطوارئ السابقة. هل يمكن أن تكون هناك بعض الدروس القيمة التي يمكن تعلمها من تجربة البلاد للعديد من الدول النامية التي تتدافع للوصول إلى اللقاحات خلال أزمة كوفيد-19 المستمرة؟